المقريزي

33

المقفى الكبير

دمشق ، وذلك يوم الخميس لثمان خلون من ذي الحجّة . فأقبل صبيح بطلائع عسكر جعفر بن فلاح ونزل خارج دمشق ، فخرج الناس إليه مستعدّين للحرب في خيل [ 384 أ ] ورجل فاقتتلوا يومهم ذلك ثمّ انصرفوا . وأصبحوا يوم الجمعة فاقتتلوا وصاح الناس في جامع دمشق بعد الصلاة : « النفير ! » ، فخرج النفير واشتدّ القتال إلى آخر النهار ، ونزل جعفر يوم السبت لعشر خلون من ذي الحجّة يوم عيد الأضحى فقاتله الناس على الشمّاسيّة والقطيعة « 1 » ، ولم يصلّ الناس يومئذ صلاة العيد . وخرج ابن أبي يعلى ، فلم يزل القتال إلى بعد العصر فكلّت الدماشقة ، وحمل عليهم المغاربة ، فانهزموا وركب المغاربة أقفيتهم وبذلوا فيهم السيف فقتلوا من ظفروا به . وقام بأمر البلد أبو إسحاق محمد بن عصودا وغلّق الأبواب وأوقف الرماة على شرفات السور ، فرموا المغاربة بالنشّاب . ونزل العسكر أرض عاتكة « 2 » وطرحوا النار فيما هنالك من الأبنية ، فانهزم ابن أبي يعلى وانفلّ من كان معه فقتل خلق كثير . ودخل فرقة من المغاربة باب الجابية ، فتكاثر الناس عليهم وأخرجوهم وأغلقوا الباب . فأحاط العسكر بالبلد من كلّ ناحية ، ووقعت المضاربات وارتفع ضجيج الرجال والنساء والصبيان بالبكاء والنّفير ، وظنّوا أنّ القوم يدخلون البلد بالسيف ، وكان قد قرب غروب الشمس ، فأمسك العسكر عن القتال . وتقدّم رجل من العسكر وأشار إلى من فوق الأسوار وحدّثهم ، فأمسكوا عن الرمي ، وبات أهل دمشق ليلة الأحد في سدّ الأبواب وتضييق الدروب وكسر القنا في الأسواق وحفر الخنادق ، وعزموا على القتال وباتوا على خوف . فلمّا أصبحوا خرج المشايخ إلى جعفر بن فلاح ليتحدّثوا معه في الصلح ، فما هو إلّا أن ساروا عن البلد قليلا [ حتّى ] خرج عليهم فرسان من المغاربة [ ف ] أخذوا ما عليهم من الثياب وقتلوا منهم رجلين . فلمّا رأى من كان فوق المآذن والأسطحة ذلك صاحوا : « اضبطوا الأبواب ، فقد شلّحوا المشايخ ! » « 3 » ، فظنّ الناس أنّ العسكر يريد الركوب ، ودخل المشايخ عريا ، فارتاع أهل البلد واشتدّ خوفهم وتحيّروا . ثمّ جرت بينهم مراسلة فخرجوا إلى جعفر فرهب عليهم [ 301 ب ] و [ أ ] وعد البلد بالنار والسيف ، فعاجوا خائفين وجلين وبلّغوا أهل البلد ما أقلقهم فاشتدّ اضطرابهم ، وعاد المشايخ ثانيا إلى جعفر فاشتدّ عليهم وأرعد وأبرق فسألوه العفو . فقال : ما أعفو عنكم حتى تخرجوا إليّ ومعكم النساء [ 384 ب ] فيتضرّعن ويكشفن شعورهنّ ويمرّغنّها في التراب بين يديّ « 4 » ! فقالوا : نفعل ما يقول القائد . ورجعوا إلى البلد وخرجوا إليه بما طلب من تضرّع النساء وكشفهنّ الشعور بين يديه ، وهو مع ذلك يرهبهم ، ثمّ باسطهم وقال : أريد [ أن ] أدخل يوم الجمعة للصلاة . فانصرفوا عنه ، وركب يوم الجمعة في عسكره ودخل البلد . فلمّا خرجوا من الجامع وضع جماعة من العسكر أيديهم في السوق ونهبوا . ثمّ أرادوا أن

--> ( 1 ) لم يذكر ياقوت القطيعة بين قرى الغوطة . ( 2 ) أرض عاتكة : خارج باب الجابية بدمشق ( ياقوت ) . ( 3 ) شلّحوهم : جرّدوهم من ثيابهم . ( 4 ) يأتي هنا في الهامش هذا التعليق ، ولعلّه من خواطر حسن العطّار المعتادة : أخزاه اللّه ومن ولّاه تلك الولاية ، بل أخزى دولة بني عبيد هذه ، فلقد كانت شرّ دولة ، حتى ألّف أكابر العلماء في قتالهم تآليف كثيرة ، ولقد أراح اللّه العالم منهم على يد دولة الأكراد .